السيد محمد باقر الصدر

144

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

الثورة عرش الملكيّة وأقامت مكانها جمهورية يرأسها ( كرومويل ) اضطرّ فيلسوفنا المادّي إلى الفرار والالتجاء إلى فرنسا التي كانت معقلًا قويّاً للملكيّين ، وهناك استمرّ في مناصرته الفكريّة للملكيّة المطلقة ، ووضع كتابه ( التنّين ) الذي ضمّنه فلسفته السياسيّة ، وأ كّد فيه على ضرورة سلب أفراد الشعب حريّاتهم ، وإقامة الملكيّة على أساس من الاستبداد المطلق « 1 » . وفي الوقت الذي كانت تؤكّد فيه الفلسفة المادّية هذا الاتّجاه السياسي على يد ( هوبز ) كانت الفلسفة ( الميتافيزيقيّة ) تقف موقفاً معاكساً يتمثّل في عدّة من أبطالها المفكّرين الذين عاصروا ( هوبز ) كالفيلسوف الصوفي الكبير ( باروخ سبينوزا ) الذي آمن بحقّ الشعب في انتقاد السلطة ، بل وفي الثورة عليها ، ودعا إلى الحكم الديمقراطي قائلًا : ( كلّما اتّسعت مشاركة الشعب في الحكم قوي التحابّ والاتّحاد ) « 2 » . فأيّ الفلسفتين كانت تسير في ركاب الأرستقراطية والاستبداد ؟ ! فلسفة ( هرقليطس ) الأرستقراطي ، أم فلسفة أفلاطون واضع كتاب الجمهورية ، فلسفة ( هوبز ) الاستبدادي ، أم فلسفة ( سبينوزا ) القائل بحقّ الشعب في الحكم ؟ ! بقي علينا أن نلاحظ شيئاً آخر ، وهو : أنّ التفكير الفلسفي لمّا كان طبقيّاً في رأي الماركسية فهو تفكير حزبي دائماً ، فلا يمكن لأيّ باحث فلسفي أن يدرس مسائل الفكر الإنساني دراسة موضوعيّة نزيهة ، بل الدراسات الفكرية كلّها ذات لون حزبي صارخ ، ولأجل هذا لا تتحاشى الماركسية عن إبراز الطابع الحزبي لفلسفتها وتفكيرها الخاصّ ، والاعتراف باستحالة النزعة الموضوعيّة في البحث بالنسبة إليها وإلى كلّ المفكّرين ، وتكرّر دائماً : إنّ النزعة الموضوعيّة

--> ( 1 ) انظر قصّة الحضارة 34 : 3 - 5 و 10 - 16 ( 2 ) راجع رسالة في اللاهوت والسياسة : 445 - 454 ، الفصل العشرين ، وقصّة الفلسفة الحديثة : 117 - 118 ، وقصّة الحضارة 34 : 117 و 149 - 150